المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين: سجل من العنف والتطهير العرقي
الأيديولوجية الصهيونية والاستعمار الاستيطاني: قامت الصهيونية كحركة قومية أوروبية في أواخر القرن التاسع عشر، بهدف حل "المسألة اليهودية" في أوروبا عبر إقامة وطن قومي لليهود. وقع الاختيار على فلسطين لأسباب دينية وتاريخية، متجاهلين إلى حد كبير وجود شعب عربي فلسطيني يعيش على هذه الأرض منذ قرون. تبنت الحركة الصهيونية نموذج الاستعمار الاستيطاني، الذي يقوم على إحلال سكان جدد محل السكان الأصليين والسيطرة على الأرض والموارد. هذا النموذج بطبيعته يتضمن عنفاً بنيوياً وسياسات تهدف إلى تهميش وطرد السكان الأصليين. مقولات مثل "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، التي روج لها بعض قادة الصهيونية، عكست هذا التجاهل المتعمد لوجود الفلسطينيين وحقوقهم.فترة الانتداب البريطاني (1920-1948): وفر الانتداب البريطاني، الذي أقر وعد بلفور (1917)، غطاءً سياسياً وعسكرياً للمشروع الصهيوني. خلال هذه الفترة، سهلت بريطانيا الهجرة اليهودية إلى فلسطين وشجعت على شراء الأراضي، مما أدى إلى تغيير ديموغرافي وزيادة التوترات بين المجتمعين العربي واليهودي. رد الفلسطينيون على هذه السياسات بسلسلة من الاحتجاجات والثورات، أبرزها الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939). قمعت القوات البريطانية هذه الثورة بوحشية، لكنها أيضاً شهدت نمو التنظيمات العسكرية الصهيونية.تشكيل الميليشيات الصهيونية المسلحة: تحت غطاء بريطاني في البداية، ثم بشكل أكثر استقلالية، شكلت الحركة الصهيونية قوى عسكرية منظمة. كانت "الهاغاناه" هي القوة الرئيسية والأكبر، وتتبع القيادة السياسية للمؤسسة الصهيونية الرسمية (الوكالة اليهودية). وإلى جانبها، نشأت تنظيمات أكثر تطرفاً وعنفاً:الإرغون (إيتسل): بقيادة مناحيم بيغن لاحقاً، تبنت هذه المنظمة سياسة هجومية وعمليات عنف استهدفت كلاً من البريطانيين والفلسطينيين المدنيين. أشهر عملياتها تفجير فندق الملك داوود في القدس عام 1946.ليحي (شتيرن): بقيادة أبراهام شتيرن ثم يتسحاق شامير، كانت هذه المجموعة الأكثر تطرفاً، ولم تتردد في استخدام الاغتيالات والتفجيرات ضد البريطانيين والعرب وحتى اليهود "المعتدلين".
العنف المبكر وبذور النكبة: قبل عام 1948، وقعت حوادث عنف متفرقة ومذابح محدودة النطاق ارتكبتها هذه الميليشيات ضد الفلسطينيين، غالباً كرد فعل على هجمات فلسطينية أو كجزء من استراتيجية لترويع السكان وإجبارهم على الرحيل من مناطق معينة. على سبيل المثال، شهدت حيفا ويافا والقدس أعمال عنف متبادلة، لكن التنظيم والتسليح الأفضل للميليشيات الصهيونية، خاصة في المراحل اللاحقة، رجح الكفة لصالحها ومكنها من شن هجمات أكثر تدميراً. شكلت هذه الفترة مرحلة إعداد وتدريب لهذه الميليشيات، التي ستلعب الدور الرئيسي في تنفيذ عمليات التطهير العرقي والمذابح خلال حرب 1948.
مذبحة بلد الشيخ (31 ديسمبر 1947): رداً على هجوم فلسطيني على عمال يهود في مصفاة حيفا، شنت قوات البالماخ (وحدة النخبة في الهاغاناه) هجوماً وحشياً على قرية بلد الشيخ (الواقعة الآن ضمن مدينة نيشر) وقرية حواسة المجاورة. اقتحم المهاجمون المنازل وأطلقوا النار بشكل عشوائي، مما أسفر عن مقتل حوالي 60 فلسطينياً، بينهم نساء وأطفال وشيوخ. كانت هذه المذبحة من أولى عمليات الانتقام الجماعي الواسعة النطاق.مذابح حيفا (ديسمبر 1947 - أبريل 1948): تعرضت الأحياء العربية في حيفا لسلسلة من الهجمات بالقنابل والمتفجرات من قبل الإرغون وليحي، استهدفت الأسواق والمقاهي والتجمعات السكنية، مما أدى إلى مقتل وجرح المئات وبث الرعب في نفوس السكان. بلغت الهجمات ذروتها في الهجوم النهائي على حيفا في أبريل 1948، والذي أدى إلى تهجير الغالبية العظمى من سكانها الفلسطينيين البالغ عددهم حوالي 70 ألف نسمة.مذبحة سعسع (14-15 فبراير 1948): هاجمت وحدة من البالماخ قرية سعسع في الجليل الأعلى ليلاً. قام المهاجمون بزرع عبوات ناسفة في منازل القرية وتفجيرها على رؤوس ساكنيها النائمين. أسفر الهجوم عن مقتل حوالي 60 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، وتدمير حوالي 20 منزلاً. بررت الهاغاناه الهجوم بأنه رد على استخدام القرية كقاعدة للمقاتلين العرب، لكن طبيعة الهجوم (استهداف المنازل ليلاً) تشير إلى هدف ترويع السكان ودفعهم للرحيل.مذبحة دير ياسين (9 أبريل 1948): نقطة تحول مروعة: السياق: وقعت هذه المذبحة في قرية دير ياسين الهادئة الواقعة على مشارف القدس الغربية، والتي كانت قد أبرمت اتفاق عدم اعتداء مع جيرانها اليهود. جاء الهجوم في إطار "عملية نحشون"، وهي أول عملية كبرى للهاغاناه ضمن خطة دالت، تهدف لفتح الطريق إلى القدس المحاصرة.المنفذون: قامت بالهجوم بشكل رئيسي قوات الإرغون (بقيادة مناحيم بيغن) وليحي (بقيادة يتسحاق شامير)، وبموافقة ضمنية أو تنسيق محدود مع قيادة الهاغاناه في القدس.الأحداث: اقتحمت القوات المهاجمة القرية فجراً وواجهت مقاومة بسيطة في البداية. سرعان ما تحول الهجوم إلى مذبحة شاملة. تم إعدام عائلات بأكملها داخل منازلها أو بعد إخراجهم منها. تعرضت النساء للاغتصاب والتشويه قبل قتلهن. تم إلقاء قنابل يدوية داخل المنازل المأهولة. جمع الناجون في مجموعات وتم إعدامهم رمياً بالرصاص.الضحايا: تختلف التقديرات حول عدد الضحايا، لكنها تتراوح بين 107 و 120 شهيداً، وربما أكثر، معظمهم من المدنيين العزل، وبينهم عدد كبير من النساء والأطفال والشيوخ. تم أخذ بعض الناجين واستعراضهم في شوارع القدس الغربية قبل إعدام بعضهم.التأثير: كان لمذبحة دير ياسين تأثير نفسي مدمر على الفلسطينيين في جميع أنحاء البلاد. تعمدت قيادات الإرغون وليحي تضخيم ونشر أخبار الفظائع التي ارتكبتها لبث الرعب ودفع الفلسطينيين إلى الفرار من قراهم ومدنهم خوفاً من مصير مماثل. أصبحت دير ياسين رمزاً للوحشية الصهيونية وعاملاً رئيسياً في تسريع عملية التهجير الجماعي للفلسطينيين خلال النكبة. ورغم أن قيادة الهاغاناه الرسمية والوكالة اليهودية أدانتا المذبحة شكلياً، إلا أنها خدمت أهدافهما الاستراتيجية بشكل كبير.
مذبحة ناصر الدين (13-14 أبريل 1948): بعد أيام قليلة من دير ياسين، هاجمت قوات مشتركة من الإرغون والهاغاناه قرية ناصر الدين الصغيرة بالقرب من طبريا. تظاهر بعض المهاجمين بأنهم مقاتلون عرب، وعندما خرج سكان القرية لاستقبالهم، فتحوا عليهم النار. تم قتل معظم رجال القرية، ولم ينج سوى عدد قليل من النساء والأطفال الذين تمكنوا من الفرار. تم تدمير القرية بالكامل.الهجوم على طبريا ويافا (أبريل 1948): شهدت المدن الفلسطينية الكبرى هجمات مماثلة. في طبريا، أدى قصف الهاغاناه للأحياء العربية إلى فرار جماعي للسكان بمساعدة القوات البريطانية التي لم تتدخل لحمايتهم. في يافا، شنت الإرغون هجوماً عنيفاً بقذائف الهاون على الأحياء السكنية المكتظة (خاصة حي المنشية) لعدة أيام، مما تسبب في دمار هائل ومقتل المئات وبث الذعر، وأدى في النهاية إلى انهيار المدينة وتهجير الغالبية العظمى من سكانها البالغ عددهم حوالي 70-80 ألف نسمة.
مذبحة الطنطورة (22-23 مايو 1948): السياق: وقعت هذه المذبحة في قرية الطنطورة الساحلية جنوب حيفا، بعد أيام قليلة من إعلان قيام الدولة. نفذ الهجوم لواء الإسكندروني التابع للجيش الإسرائيلي كجزء من عملية "نمأل" (ميناء) لتطهير الساحل.الأحداث: بعد استسلام القرية، قامت القوات الإسرائيلية بجمع رجال القرية وفصلهم عن النساء والأطفال. ثم بدأت عمليات إعدام جماعي منظمة. تم إطلاق النار على مجموعات من الرجال على الشاطئ وفي أماكن أخرى من القرية. تشير شهادات ناجين وبحث أكاديمي مثير للجدل أجراه الطالب الإسرائيلي ثيودور كاتس (لاحقاً تراجع عنه تحت الضغط، لكن شهادات أخرى أكدته) إلى مقتل ما بين 200 و 250 رجلاً فلسطينياً عزلاً بعد استسلامهم. تم دفن الضحايا في مقبرة جماعية يعتقد أنها تقع تحت موقف سيارات شاطئ "دور" الحالي.الأهمية: ظلت مذبحة الطنطورة منكرة أو متجاهلة لعقود طويلة في الرواية الإسرائيلية الرسمية، لكن الأدلة والشهادات المتزايدة، بما في ذلك شهادات بعض الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في الهجوم (كما ظهر في فيلم "طنطورة" الوثائقي عام 2022)، تؤكد وقوع فظائع واسعة النطاق. تمثل الطنطورة نموذجاً للمذابح التي ارتكبت بعد استسلام القرى بهدف التصفية الجسدية للمقاتلين المحتملين وترويع البقية.
مذبحة اللد والرملة (11-13 يوليو 1948): السياق: وقعت هذه الأحداث خلال "عملية داني"، التي هدفت إلى احتلال مدينتي اللد والرملة الاستراتيجيتين الواقعتين في قلب فلسطين وعلى الطريق الرئيسي بين تل أبيب والقدس، وتأمين مطار اللد (مطار بن غوريون الحالي). قاد العملية يتسحاق رابين (رئيس الأركان لاحقاً ورئيس الوزراء) تحت إشراف دافيد بن غوريون.الأحداث: بعد احتلال الرملة التي استسلمت بسرعة نسبية، واجه الجيش الإسرائيلي مقاومة في اللد. ردت القوات الإسرائيلية بوحشية. اقتحمت وحدة كوماندوز بقيادة موشيه ديان المدينة وقتلت العشرات في الشوارع. الحدث الأكثر دموية كانمذبحة مسجد دهمش في اللد، حيث لجأ مئات المدنيين الفلسطينيين العزل إلى المسجد طلباً للأمان. قامت القوات الإسرائيلية باقتحام المسجد وإطلاق النار بشكل عشوائي، مما أسفر عن مقتل ما بين 100 و 176 شخصاً (حسب تقديرات مختلفة) داخل المسجد وفي ساحته.الطرد الجماعي: بعد المذبحة، صدرت الأوامر بطرد سكان المدينتين. أجبر حوالي 50-70 ألف فلسطيني على الخروج من منازلهم سيراً على الأقدام في حر الصيف الحارق باتجاه الشرق (نحو رام الله)، دون ماء أو طعام. مات العشرات في الطريق من العطش والإعياء. وصف المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس هذه العملية بأنها أكبر عملية طرد جماعي نفذت خلال حرب 1948. شكلت أحداث اللد والرملة نموذجاً للجمع بين المذبحة والطرد الجماعي لتحقيق التطهير العرقي.
مذبحة الدوايمة (29 أكتوبر 1948): السياق: وقعت هذه المذبحة في قرية الدوايمة الكبيرة الواقعة غرب الخليل، خلال "عملية يوآف" التي هدفت إلى احتلال النقب الجنوبي وقطع التواصل بين القوات المصرية في غزة والقوات الأردنية في منطقة الخليل.الأحداث: هاجمت الكتيبة 89 من اللواء الثامن (بقيادة يتسحاق ساده، وكانت تضم جنوداً سابقين من الإرغون وليحي) القرية التي لم تكن تملك دفاعات قوية. دخل الجنود القرية وبدأوا بقتل السكان بشكل منهجي وعشوائي. تم قتل الرجال والنساء والأطفال والشيوخ في منازلهم وفي الشوارع. لجأ بعض السكان إلى مسجد القرية وكهف قريب، فتم قتلهم هناك أيضاً. أفاد مختار القرية في شهادته لاحقاً بأن عدد الضحايا بالمئات. قدر المؤرخ بيني موريس عدد القتلى بـ "مئات". تشير بعض الروايات إلى فظائع مروعة، بما في ذلك تحطيم رؤوس الأطفال بالعصي.التستر: تعتبر مذبحة الدوايمة من أفظع مذابح النكبة، لكنها ظلت مجهولة إلى حد كبير لفترة طويلة بسبب محاولات التستر عليها. لم يتم نشر تفاصيلها إلا بعد عقود. أكد جندي إسرائيلي شارك في العملية لاحقاً وقوع المذبحة ووصفها بأنها "عملية قتل منظمة نفذها الجنود".
مذابح الجليل (أكتوبر - نوفمبر 1948): خلال "عملية حيرام" التي هدفت إلى احتلال الجليل الأعلى وطرد جيش الإنقاذ العربي، ارتكبت القوات الإسرائيلية سلسلة من المذابح في القرى الفلسطينية واللبنانية (التي دخلتها القوات الإسرائيلية لفترة وجيزة).مذبحة عيلبون (30 أكتوبر 1948): بعد استسلام القرية، جمع الجنود الإسرائيليون رجال القرية واختاروا 12 شاباً وأعدموهم رمياً بالرصاص انتقاماً لمقتل جندي إسرائيلي. تم طرد باقي سكان القرية باتجاه لبنان. (سُمح لسكان عيلبون لاحقاً بالعودة، وهي حالة نادرة).مذبحة الحولة (31 أكتوبر 1948): دخلت القوات الإسرائيلية قرية الحولة (في جنوب لبنان حالياً، قرب الحدود مع فلسطين) وأعدمت ما بين 35 و 58 رجلاً بعد جمعهم في أحد المنازل.مذبحة مجد الكروم (29 أكتوبر 1948): تم إعدام عدد من سكان القرية بعد استسلامها.مذبحة الصفصاف (29 أكتوبر 1948): بعد احتلال القرية، تم إعدام حوالي 50-70 رجلاً فلسطينياً. وردت تقارير عن اغتصاب 4 نساء قبل قتلهن.مذبحة صَلَحَة (30 أكتوبر 1948): اقتحمت القوات الإسرائيلية القرية وفجرت المسجد الذي لجأ إليه السكان، مما أدى إلى مقتل حوالي 60-70 شخصاً.
تهجير قسري: طرد وتشريد ما بين 750,000 و 900,000 فلسطيني (حوالي 80% من السكان العرب في الأراضي التي أصبحت إسرائيل) وتحويلهم إلى لاجئين.تدمير القرى والمدن: تدمير أكثر من 530 قرية ومدينة فلسطينية ومحو معالمها لإخفاء آثار الوجود الفلسطيني ومنع عودة اللاجئين.السيطرة على الأرض: استيلاء الدولة اليهودية الجديدة على حوالي 78% من مساحة فلسطين الانتدابية.الضحايا: مقتل ما يقدر بـ 13,000 إلى 15,000 فلسطيني خلال حرب 1948، عدد كبير منهم من المدنيين الذين قتلوا في المذابح أو خلال عمليات الطرد.
مذبحة كفر قاسم (29 أكتوبر 1956): السياق: وقعت هذه المذبحة عشية العدوان الثلاثي على مصر (حرب السويس). فرضت السلطات الإسرائيلية حظر تجول مفاجئ على القرى العربية الواقعة قرب الحدود مع الأردن، بما فيها كفر قاسم. تم تقديم موعد بدء الحظر من المساء إلى الساعة الخامسة عصراً، ولكن لم يتم إبلاغ العمال الفلسطينيين الذين كانوا عائدين من عملهم خارج القرية بهذا التغيير.الأحداث: عند مدخل القرية، أوقفت وحدة من حرس الحدود الإسرائيلي العمال العائدين (رجال ونساء وأطفال على دراجات وعربات) وأطلقت عليهم النار بدم بارد لمجرد خرقهم حظر التجول الذي لم يعلموا به. استمر القتل لحوالي ساعة.الضحايا: أسفرت المذبحة عن استشهاد 49 مدنياً فلسطينياً، بينهم 23 طفلاً وامرأة.المحاكمة الصورية والتستر: حاولت السلطات الإسرائيلية التستر على المذبحة في البداية، لكن تسرب الأخبار أدى إلى ضغط شعبي وبرلماني. تمت محاكمة عدد من الجنود والضباط المسؤولين، وصدرت بحقهم أحكام مخففة للغاية (تراوحت بين 7 و 17 سنة سجن). تم تخفيف هذه الأحكام لاحقاً، ولم يقض أي منهم سوى فترة قصيرة في السجن، بل إن بعضهم حصل على ترقيات لاحقاً. أدانت المحكمة قائد الوحدة، الرائد شموئيل ملينكي، بتهمة القتل، لكن القاضي بنيامين هليفي أصدر حكماً تاريخياً موازياً أدان فيه "الأوامر غير القانونية بشكل واضح" التي لا يجوز للجندي إطاعتها.الأهمية: كشفت مذبحة كفر قاسم عن وحشية الحكم العسكري المفروض على فلسطينيي 48، وعن استباحة دمائهم، وعن سياسة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها مرتكبو الجرائم بحقهم. تركت المذبحة جرحاً عميقاً في ذاكرة فلسطينيي الداخل ولا تزال رمزاً للظلم والقهر الذي عانوا منه.
عمليات "مكافحة التسلل": خلال سنوات الخمسينيات، قتلت القوات الإسرائيلية آلاف الفلسطينيين (لاجئين أو من سكان الداخل) الذين حاولوا عبور خطوط الهدنة، إما للعودة إلى قراهم المهجرة، أو لزيارة أقاربهم، أو لجلب ممتلكاتهم، أو حتى لرعي مواشيهم. غالباً ما كانت سياسة إطلاق النار بهدف القتل هي المتبعة دون تمييز.
مذبحة قبية (14-15 أكتوبر 1953): (قبل احتلال 1967، لكنها استهدفت قرية في الضفة الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني)السياق: رداً على مقتل امرأة وطفليها الإسرائيليين في هجوم يعتقد أن منفذيه جاءوا من الأردن، شنت "الوحدة 101" الإسرائيلية (وحدة عمليات خاصة بقيادة أرييل شارون) هجوماً وحشياً على قرية قبية الفلسطينية.الأحداث: طوقت الوحدة القرية وقصفتها بالمدفعية، ثم اقتحم الجنود المنازل وأطلقوا النار على السكان وزرعوا المتفجرات وفجروها على رؤوس ساكنيها.الضحايا: أسفر الهجوم عن مقتل 69 مدنياً فلسطينياً، حوالي نصفهم من النساء والأطفال، وتدمير 45 منزلاً ومسجد القرية ومدرستها.الإدانة الدولية: أثارت المذبحة إدانة دولية واسعة، بما في ذلك من الولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي. ورغم محاولة إسرائيل التنصل من المسؤولية في البداية، إلا أن الأدلة كانت دامغة. كشفت مذبحة قبية عن نهج "الانتقام الجماعي" العنيف الذي تبنته إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين رداً على أي هجمات ضد إسرائيليين.
مذبحة السموع (13 نوفمبر 1966): (أيضاً قبل 1967، في الضفة الغربية)شنت القوات الإسرائيلية هجوماً واسع النطاق على قرية السموع جنوب الخليل، رداً على عملية فدائية. استخدمت إسرائيل الدبابات والطائرات والمدفعية، ودمرت أكثر من 125 منزلاً ومدرسة وعيادة. قُتل 18 شخصاً (بينهم جنود أردنيون حاولوا الدفاع عن القرية) وجُرح العشرات. كانت هذه العملية من أكبر العمليات العسكرية الإسرائيلية قبل حرب 1967 وأثارت توتراً كبيراً في المنطقة.
مذبحة صبرا وشاتيلا (16-18 سبتمبر 1982): رعب في مخيمات بيروت: السياق: وقعت هذه المذبحة المروعة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وبعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بموجب اتفاق دولي. كانت المخيمات (صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت الغربية) تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة.المنفذون: قامت بالمذبحة بشكل مباشر ميليشيات لبنانية يمينية متحالفة مع إسرائيل (حزب الكتائب وجيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد). لكن الجيش الإسرائيلي، بقيادة وزير الدفاع أرييل شارون ورئيس الأركان رفائيل إيتان، هو من طوق المخيمات، وأنار سماءها بالقنابل المضيئة ليلاً لتسهيل مهمة القتلة، ومنع أي شخص من الهروب، وتجاهل التقارير التي كانت تصله عن المذبحة وهي تحدث.الأحداث: دخلت الميليشيات إلى المخيمات وبدأت عملية قتل جماعي ممنهجة استمرت ثلاثة أيام. تم ذبح الرجال والنساء والأطفال والشيوخ بوحشية لا توصف باستخدام السكاكين والفؤوس والأسلحة النارية. تم اغتصاب النساء قبل قتلهن. تم تشويه الجثث وبقر بطون الحوامل. تم هدم المنازل على رؤوس ساكنيها.الضحايا: لا يوجد رقم دقيق لعدد الضحايا بسبب دفن الكثيرين في مقابر جماعية أو اختفاء جثثهم تحت الأنقاض، لكن التقديرات تتراوح بين 800 (الرقم الإسرائيلي الرسمي المنخفض) و 3500 شهيد، معظمهم من الفلسطينيين وبعض اللبنانيين الفقراء.المسؤولية الإسرائيلية: أثارت المذبحة صدمة وغضباً عارماً في جميع أنحاء العالم. شكلت إسرائيل لجنة تحقيق رسمية (لجنة كاهان)، والتي خلصت إلى أن إسرائيل تتحمل "مسؤولية غير مباشرة" عن المذبحة، وأوصت بإقالة شارون من منصب وزير الدفاع (لكنه بقي في الحكومة كوزير بلا حقيبة وعاد لاحقاً ليصبح رئيساً للوزراء). اعتبر الكثيرون أن تحميل إسرائيل مسؤولية "غير مباشرة" فقط هو تقليل من شأن دورها الحاسم في تمكين وتسهيل وقوع المذبحة. تعتبر صبرا وشاتيلا واحدة من أبشع جرائم الحرب في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي الحديث.
مذابح وعنف خلال الانتفاضات: الانتفاضة الأولى (1987-1993): تميزت هذه الانتفاضة الشعبية باستخدام الحجارة والمقاومة السلمية في معظمها، لكنها قوبلت بقمع إسرائيلي وحشي. أصدر وزير الدفاع آنذاك يتسحاق رابين أوامره الشهيرة بـ "تكسير عظام" المتظاهرين. قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 1100 فلسطيني خلال سنوات الانتفاضة، بينهم عدد كبير من الأطفال، وجرحت عشرات الآلاف. وقعت حوادث إطلاق نار جماعي، مثلمذبحة الأقصى الأولى (مذبحة نفق الهيكل) في 8 أكتوبر 1990 ، حيث قتلت الشرطة الإسرائيلية أكثر من 20 مصلياً فلسطينياً وجرحت المئات في باحات المسجد الأقصى.مذبحة الحرم الإبراهيمي (25 فبراير 1994): قام مستوطن إسرائيلي متطرف يدعى باروخ غولدشتاين، وهو طبيب عسكري، بإطلاق النار على المصلين الفلسطينيين أثناء سجودهم في صلاة الفجر في الحرم الإبراهيمي في الخليل، مما أسفر عن استشهاد 29 مصلياً وإصابة أكثر من 125 آخرين قبل أن يتمكن المصلون من قتله. ردت السلطات الإسرائيلية بفرض حظر تجول على الفلسطينيين وتقسيم الحرم الإبراهيمي زمانياً ومكانياً لصالح المستوطنين، معتبرة الضحايا مسؤولين عن الجريمة!الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى، 2000-2005): اندلعت بعد اقتحام أرييل شارون للمسجد الأقصى. شهدت هذه الانتفاضة تصعيداً عسكرياً كبيراً واستخداماً مفرطاً للقوة من قبل الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي واجتياح المدن والمخيمات الفلسطينية. قُتل حوالي 4500 فلسطيني خلال هذه الانتفاضة، وجُرح عشرات الآلاف.اجتياح جنين ومخيمها (أبريل 2002): خلال "عملية السور الواقي"، حاصر الجيش الإسرائيلي مخيم جنين للاجئين وخاض معركة شرسة مع المقاومين الفلسطينيين. بعد انتهاء المعركة، اتهم الفلسطينيون ومنظمات حقوقية الجيش الإسرائيلي بارتكاب مذبحة واسعة النطاق. منعت إسرائيل لجنة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة من الدخول. خلصت تحقيقات لاحقة (مثل تحقيق هيومن رايتس ووتش) إلى أنه لم تقع مذبحة بالمعنى الدقيق (قتل جماعي متعمد لمدنيين عزل على نطاق واسع)، لكنها وثقت جرائم حرب خطيرة، بما في ذلك قتل مدنيين، واستخدام دروع بشرية، وتدمير واسع النطاق للمنازل (تم تجريف حي كامل في المخيم)، ومنع وصول المساعدات الطبية. قُتل ما لا يقل عن 52 فلسطينياً، نصفهم تقريباً من المدنيين، و 23 جندياً إسرائيلياً.
"عملية الرصاص المصبوب" (ديسمبر 2008 - يناير 2009): الأحداث: شنت إسرائيل هجوماً جوياً وبرياً وبحرياً شاملاً على قطاع غزة استمر 22 يوماً. تميز الهجوم بكثافة نارية غير مسبوقة، واستخدام أسلحة محرمة دولياً مثل الفسفور الأبيض في مناطق مأهولة.الضحايا والدمار: استشهد حوالي 1400 فلسطيني، بينهم أكثر من 900 مدني (بمن فيهم حوالي 300 طفل و 100 امرأة). قُتل 13 إسرائيلياً (بينهم 3 مدنيين). تم تدمير آلاف المنازل والبنى التحتية الحيوية.تقرير غولدستون: وثق تقرير لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون أدلة على ارتكاب إسرائيل (وحماس بدرجة أقل) جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية خلال هذه العملية. تعرض التقرير ورئيسه لضغوط هائلة أدت إلى تراجع غولدستون لاحقاً عن بعض استنتاجاته المتعلقة بنية إسرائيل استهداف المدنيين، لكن الأدلة الوقائعية التي جمعها التقرير ظلت قائمة.
"عملية عمود السحاب" (نوفمبر 2012): هجوم جوي استمر 8 أيام، أسفر عن استشهاد حوالي 170 فلسطينياً، أكثر من نصفهم من المدنيين، بينهم حوالي 30 طفلاً. قُتل 6 إسرائيليين (بينهم مدنيان)."عملية الجرف الصامد" (يوليو - أغسطس 2014): الحرب الأكثر دموية على غزة: الأحداث: شنت إسرائيل هجوماً مدمراً استمر 51 يوماً، شمل قصفاً جوياً وبحرياً مكثفاً واجتياحاً برياً محدوداً. شهدت الحرب تدميراً هائلاً، خاصة في مناطق مثل الشجاعية وخزاعة ورفح. تم استهداف منازل سكنية بأكملها على رؤوس ساكنيها، ومدارس تابعة للأونروا تؤوي نازحين، ومستشفيات وسيارات إسعاف.الضحايا والدمار: استشهد حوالي 2251 فلسطينياً، بينهم ما لا يقل عن 1462 مدنياً (وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة)، ومن ضمن المدنيين 551 طفلاً و 299 امرأة. قُتل 73 إسرائيلياً (بينهم 6 مدنيين). تم تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بأكثر من 18,000 وحدة سكنية، وتشريد مئات الآلاف.جرائم الحرب: وثقت منظمات حقوقية دولية وفلسطينية وإسرائيلية (مثل هيومن رايتس ووتش، أمنستي، بتسيلم) أدلة واسعة النطاق على ارتكاب الجيش الإسرائيلي جرائم حرب خلال هذه العملية، بما في ذلك الهجمات العشوائية وغير المتناسبة، واستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية.
العنف على حدود غزة ("مسيرات العودة الكبرى" 2018-2019): ردت القوات الإسرائيلية بوحشية على المظاهرات السلمية إلى حد كبير التي نظمها الفلسطينيون قرب السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل للمطالبة بحق العودة ورفع الحصار. استخدم القناصة الإسرائيليون الذخيرة الحية بشكل ممنهج ضد المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل أكثر من 200 فلسطيني (بينهم أطفال، ومسعفون، وصحفيون) وإصابة أكثر من 36,000 آخرين، كثير منهم بإعاقات دائمة. وصفت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة استخدام إسرائيل للقوة بأنه غير قانوني وقد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب.الحرب على غزة (أكتوبر 2023 - مستمرة): إبادة جماعية ؟ السياق: رداً على هجوم حركة حماس غير المسبوق على بلدات وقواعد عسكرية إسرائيلية في غلاف غزة في 7 أكتوبر 2023 (عملية طوفان الأقصى)، شنت إسرائيل حرباً شاملة ومدمرة على قطاع غزة، وصفتها بأنها تهدف إلى القضاء على حماس.الأحداث والضحايا: تجاوز حجم القتل والتدمير في هذه الحرب كل ما سبقه. فرضت إسرائيل حصاراً كاملاً على القطاع، وقطعت عنه الماء والغذاء والكهرباء والوقود والدواء. شنت آلاف الغارات الجوية العنيفة التي دمرت أحياء سكنية بأكملها، ومستشفيات، ومدارس، ومساجد، وكنائس. أمرت بتهجير قسري لأكثر من مليون فلسطيني من شمال القطاع إلى جنوبه، ثم قصفت المناطق التي زعمت أنها آمنة. حتى تاريخ كتابة هذه السطور (مع الأخذ في الاعتبار أن الوضع يتغير باستمرار)، تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين عشرات الآلاف (أكثر من 35,000 شهيد حتى مايو 2024، حوالي 70% منهم من النساء والأطفال، وفقاً لوزارة الصحة في غزة والأمم المتحدة)، بالإضافة إلى آلاف المفقودين تحت الأنقاض. أدت الحرب إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة ومجاعة تلوح في الأفق.اتهامات الإبادة الجماعية: أدى حجم القتل العشوائي، والتصريحات التحريضية الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين كبار، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدمير الحياة في غزة، إلى رفع دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية من قبل جنوب أفريقيا، تتهمها بارتكاب أعمال إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة. أصدرت المحكمة تدابير مؤقتة تأمر إسرائيل بمنع أعمال الإبادة وضمان وصول المساعدات الإنسانية، معترفة بوجود خطر حقيقي لوقوع إبادة جماعية.
الاستهداف الممنهج للمدنيين: في كثير من الحالات، لم يكن قتل المدنيين نتيجة عرضية للعمليات العسكرية، بل كان هدفاً مقصوداً أو نتيجة حتمية لسياسات متعمدة، سواء لترويع السكان ودفعهم للرحيل (كما في دير ياسين واللد)، أو كعقاب جماعي (كما في قبية وكفر قاسم)، أو نتيجة استخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة في مناطق مكتظة بالسكان (كما في حروب غزة).التطهير العرقي كهدف استراتيجي: ارتبطت المذابح الكبرى، خاصة خلال النكبة، ارتباطاً وثيقاً بهدف إقامة دولة يهودية ذات أغلبية يهودية ساحقة على أرض فلسطين، وهو ما تطلب بالضرورة تفريغ الأرض من سكانها الأصليين. استخدمت المذابح كأداة لبث الرعب وتسريع عملية التهجير.الإفلات من العقاب: على الرغم من الأدلة الدامغة والتوثيق المستمر لهذه الجرائم، نادراً ما تم تقديم المسؤولين عنها (سواء قادة سياسيون أو عسكريون أو جنود أفراد) إلى العدالة. وحتى في الحالات القليلة التي تمت فيها محاكمات (مثل كفر قاسم)، كانت الأحكام صورية ومخففة، وتمتع معظم مرتكبي الجرائم بحصانة فعلية. هذا الإفلات الممنهج من العقاب شجع على تكرار الجرائم.الإنكار والتبرير: غالباً ما واجهت إسرائيل اتهامات ارتكاب المذابح بالإنكار التام، أو بالتقليل من حجمها، أو بتبريرها كـ "ضرورة أمنية" أو "رد فعل" على أعمال عنف فلسطينية، متجاهلة السياق الأوسع للاحتلال والظلم التاريخي. تلعب الرواية الرسمية الإسرائيلية دوراً كبيراً في طمس هذه الأحداث أو تشويهها.استخدام القوة غير المتناسبة: خاصة في العصر الحديث وحروب غزة، أصبح استخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة سمة مميزة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، مما يؤدي حتماً إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية المدنية، بما يتعارض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني (قوانين الحرب).التكنولوجيا العسكرية والقتل عن بعد: أدى التطور التكنولوجي العسكري إلى تغير طبيعة بعض المذابح، حيث أصبح القتل الجماعي ممكناً عن بعد من خلال القصف الجوي والمدفعي المكثف واستخدام الطائرات بدون طيار، مما يخلق مسافة بين الجاني والضحية ولكنه لا يقلل من وحشية النتائج.الأثر النفسي والذاكرة الجماعية: تركت هذه المذابح ندوباً عميقة لا تُمحى في الذاكرة الجماعية الفلسطينية. أصبحت أسماء مثل دير ياسين، وكفر قاسم، وصبرا وشاتيلا رموزاً للمعاناة والظلم، وتتناقل الأجيال قصصها كجزء أساسي من الهوية الوطنية وتاريخ النضال من أجل البقاء والحرية.